محمد ابو زهره

43

خاتم النبيين ( ص )

اختصاص الجزيرة العربية [ أسئلة ] 39 - ولماذا اختصت الجزيرة العربية بالرسالات الأولى : رسالة إدريس ، ونوح وهود ، وصالح ، وكان لإبراهيم الفضل في إنشاء البيت ، وكان شعيب قد بعث في مدين بها ، وانبعث نور رسالة موسى عليه السلام منها . ثم لماذا كانت مهجر اليهود عندما نزل بهم الأذي ، ونزل بهم سوء العذاب ؟ ولماذا وجد المسيحيون الأول فيها مأوى ؟ [ الجواب ] ونجيب عن هذه الأسئلة بأمور ثلاثة : أولها : أن البلاد العربية ليست بلادا متوحشة ، كما يتوهم الذين يحكمون بغير بينات ، أو الذين يرمون الكلام على عواهنه ، أو الذين يتجنون على الحقائق مغرضين غير منصفين ، إنما هي بلاد فيها ذكاء ونفوس صافية كصفاء سمائها ، وقوة الاستجابة فيها متكافئة مع قوة المقاومة . وليس لأحد أن يدعى أن بلادا في العصور القديمة كانت أكثر منها تحضرا ، فأوربا كانت في غربها تعيش كالوحوش ، فالواندال أو سكسون وغيرهم لم تصل إليها حضارات قبل أن تصل المسيحية ، وما وصلت إليهم إلا بعد أن شاهت ، وانحرفت عن أصلها ، بينما كان الشرق في القديم مهد الحضارات ، ومهد الديانات ، ومهد الرسل ، واختصت الجزيرة العربية بأنها كانت أصفى الشرق ، ففيها انبعثت رسالات الله تعالى ، ومن حولها كأرض كنعان وأرض بابل ، وغيرهما مما يحوطها ، أو من يدخل في دائرتها كاليمن والبحرين وما وراءهما . الأمر الثاني : أن الجزيرة العربية مع ذكاء أهلها واستقامة نفوسهم ، وإن انحرفت أحيانا عقولهم ، معتصم حصين ، فبيداؤها ، وقراها ، وبرها فيها حصون لمنع الاعتداء الوحشي من الأمم التي اشتدت إغارتها في الماضي ، فإذا كان النبيون قد قووموا في إقناعهم ابتداء ، فإنهم إذا كانت ديانتهم في حصنين منيعين : حصن من الأرض المانعة لكل أجنبي من أن يقتطعها ، وحصن من النفوس التي إذا أمنت قاومت واعتزت بإيمانها ، وأن استقامة النفوس وقوتها هي التي بها تتميز أخلاق الأمم ، فإن العقول إذا انحرفت تقوم وتستقيم ، والقلوب إذا غشيتها غاشيات الضلال في نفوس ملتوية غير مستقيمة فإن الحق لا يصل إليها إلا من رحم الله . واعتبر بحال العرب بين دولتين قويتين من الدول التي صاقبتها ، فإنهما لم تتجاوزا في سلطانهما أطرافها ، ولم تتمكن إحداهما أن تنتقل من الأطراف إلى داخلها ، فإنهما عندئذ تجدان قلوبا صلدة قواها ضوء الشمس الساطع ، وقوة الحياة فيها ، والتعرض لأوابد الحيوان ليلا ونهارا .